الثلاثاء 17 محرم / 17 سبتمبر 2019
12:09 م بتوقيت الدوحة

إطلالة

الخبز.. رواية الإنسان في الحياة

الخبز.. رواية الإنسان في الحياة
الخبز.. رواية الإنسان في الحياة
عندما أكتب عن الخبز فإنني أكتب عن أقصر الطرق التي تحقق الأمن، فهو سيد الغذاء، والحاضر اليومي، وسر البقاء لدى الإنسان، وهو معروف منذ 8000 سنة، ويحظى لدى معظم شعوب العالم بشكل خاص بمعانٍ كثيرة، تتجاوز البعد الغذائي إلى معانٍ حياتية وأخلاقية، مثل التعبير عن أن تناوله معاً يعتبر دلالة المودة التي تستوجب الحفاظ عليها، كما يدل على الحياة نفسها، فالمصريون مثلاً يسمونه العيش «الحياة»، بل يصل الحد إلى أن الكدّ يكون من أجل العيش أي «لقمة الخبز»، ويعتبر العربي والمسلم الخبز نعمة واجبة الاحترام بصورة خاصة، بحيث لا يمكنه أن يراها تُرمى في الأرض دون أن يرفعها، وربما تفرض العادة عند البعض تقبيل الخبز عند رفعه، بمعنى أنه يحمل رمزاً يتعدى القيمة الغذائية.

ولا يتسع المجال للكتابة عن القداسة التي حازها الخبز في كثير من العقائد والحضارات، حتى إنه كان يشكل جزءاً أصيلاً وأساسياً في بعض الطقوس الدينية والاجتماعية.

نتساءل هنا: ماذا عن خبز العرب اليوم؟ هل تعيش شعوبنا أزمة خبز بالمعنى الضيق والواسع للخبز؟ سيما وأن أزمة الأمن الغذائي عالمية وأرقام فقراء العالم عموماً والعرب خصوصاً دليل دامغ، حيث يقول بعضها إن أكثر من مليار شخص يعانون من الفقر أي ما يعادل سدس سكان العالم، وفي العالم العربي هناك أكثر من 40 مليون عربي يعانون من نقص التغذية، ومائة مليون يعيشون تحت خط الفقر، إذن هناك أزمة خبز في وطننا العربي الكبير.

بالمناسبة، ارتبطت معظم الثورات التي قامت في العالم بالخبز كمادة حيوية يعتمد عليها غذاء الشعوب كافة، وما زالت مادة الخبز صمام أمان الشعوب، وسبباً كافياً لحيازة الاستقرار الاجتماعي والأمني، بل والسياسي أيضاً، حتى إن نجاح الحكومات في دول العالم الثالث تحديداً، مرهون بالدرجة الأولى بتمكنها من توفير الخبز حد الاكتفاء الذاتي.

ستبقى مفردة الخبز ورغيف الخبز إلى حين طويل من الدهر مفردة شعبوية ثورية مقدسة وخطاً أحمر بمقدوره تحريك الناس في الشوارع، فالدول تحسب ألف حساب وحساب إن أرادت تعويم سعر الرغيف أو سحب بعض الدعم عنه.

فاصلة؛
ثمة شعاران مهمان ارتبطا بالخبز، يؤكدان على مفاهيم الحرية الاجتماعية، «الحرية قبل الخبز»، و»ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان»، لكن هيهات أن تتحقق هذه المفاهيم، ما دام قمحنا في مخازن غيرنا!
أختم هنا بما قاله الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش: «إنا نحب الورد لكنا نحب الخبز أكثر... ونحب عطر الورد لكن السنابل منه أطهر...»، فالخبز -يا رعاكم الله- في معانيه المادية والرمزية أشبه ما يكون بمفردتين هما الأرض والأم، إنه ببساطة الأمن ورواية الإنسان في الحياة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الأصيل والهجين!

26 أغسطس 2019

الكرامات المجروحة

19 أغسطس 2019

ذكريات العيد

13 أغسطس 2019