الثلاثاء 17 محرم / 17 سبتمبر 2019
12:21 م بتوقيت الدوحة

العالم إزاء انتهاء «نهاية» الحرب الباردة رسمياً

العالم إزاء انتهاء «نهاية» الحرب الباردة رسمياً
العالم إزاء انتهاء «نهاية» الحرب الباردة رسمياً
أشباح الحرب الباردة لا تزال في الأرجاء، ولعلها لم تعد أشباحاً. أكثر من واقعة ساهمت في استدعائها، لكن قضية أوكرانيا عام 2014 ساهمت في إيقاظها من نومها الخفيف، وسرعان ما اقتطعت روسيا شبه جزيرة القرم ومدّت هيمنتها على شرق البلاد. بدا ذلك إيذاناً بأن ربع القرن الذي مضى لم ينهِ الحرب الباردة فعلاً بل أنذر بعودتها ساخنة ومدمّرة هذه المرّة. لم تجد الدول الغربية بدّاً من تعايش قسري مع الأمر الواقع الجديد، مكتفية بفرض عقوبات قاسية على روسيا وداعمة لصمود غرب البلاد، لكن أحداً لا يحبّذ التوقف أمام صراحة وفداحة الواقع التقسيمي الذي يسود أوكرانيا. ما لبث تدخّل روسيا في سوريا عام 2015 أن أكّد يقظة تلك الأشباح، بل إنه تزوّد بجرعة «سوفييتية» ليتلاءم مع طبيعة النظام السوري.

قبل أيام، في الثاني من أغسطس، تبادلت واشنطن وموسكو نعي معاهدة حظر الصواريخ النووية متوسطة وقصيرة المدى، وكان الأميركيون بدأوا منذ عام 2013 يشيرون إلى انتهاكات روسية لتلك المعاهدة، لكن الروس نفوا واستمرّوا في تطوير مثل هذه الصواريخ، بل الإعلان عنها مع تمويه مواصفاتها. كان هناك إنذار أميركي أول أواخر 2018 ثم آخر في فبراير الماضي مع تحديد مهلة ستة أشهر لتأكيد الالتزام، أو تعلن واشنطن رسمياً الانسحاب من المعاهدة، وهو ما حصل. صنعت المعاهدة تاريخاً بتوقيع الرئيسين رونالد ريغان وميخائيل جورباتشوف، واعتُبرت عام 1987 مؤشّراً أولياً للحدثَين اللذين تسارعا في العامين التاليين: بداية تفكّك الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة. ويبدو إنهاء العمل بهذه المعاهدة كأنه نهاية لـ «نهاية الحرب الباردة».
طُويت المعاهدة التاريخية بعد 32 عاماً. غاب الاتحاد السوفييتي ليعود مع فلاديمير بوتن، بدءاً من عام 2000، بنسخة مقلّصة جغرافياً وبالعقلية ذاتها، لكن مع تنقيح استوجبه التطوّر التكنولوجي، فإذا به يستنبط الحرب السيبرانية التي تمكّنه من التدخّل حيثما شاء لـ «صنع الحكام»، حتى في الولايات المتحدة. أما الحرب الباردة فتجدّدت عبر حروب ساخنة كثيرة بالوكالة لكنها مسّت عصباً حسّاساً في أوكرانيا، وأضاف إليها دونالد ترمب الحرب التجارية كنمط جديد مزوّد بسلاح فتّاك اسمه العقوبات. كان العالم تعرّف إلى أميركا المهيمنة بقوة الأسلحة النارية، ثم نبّهته العقوبات إلى هيمنتها على الاقتصاد العالمي. فحتى الصين ذات الاقتصاد الأكبر حالياً تعاني من ضرائب ترمب المتتالية، أما كوريا الشمالية فأوقفت العقوبات مستقبلها الاقتصادي منذ عقود، وإيران فوضعتها العقوبات في اختبار دقيق: إذا أرادت كسرها باستخدام ترسانتها العسكرية فستضاعف مصاعب اقتصادها، وإذا تفاوضت لرفعها فعليها أن تقدّم تنازلات.

لا يبدو أن السباق إلى التسلّح قد توقف يوماً، لكن الانفلات في التسلح أصبح الظاهرة البارزة في العقد الأخير، ولم ينتظر انتهاء العمل بمعاهدة حظر الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى، بل سبقه، وليس فقط أميركياً وروسياً، فما استدعى الانسحاب الأميركي منها أن تلك الصواريخ لم تعد تقتصر على هاتين الدولتين، ودخول الصين على الخط، كـ «تهديد» جدّي، بالإضافة إلى الهند وباكستان وإسرائيل غير المعادية لأميركا، فيما أعطت إيران إشارات بأنها مصممة على دخول هذا المعترك. إذن فقد مسّت الحاجة إلى معاهدة جديدة تأخذ في الاعتبار التطوّر التكنولوجي، خصوصاً ذلك الذي دمج الصواريخ بالـ «درون» (الطائرة المسيّرة). لكن الحرب الباردة استغرقت أربعة عقود حتى بلغت المعاهدات التي شكّلت نهايتها، أما النمط المستجدّ من الحروب الباردة فلا يزال في بداياته.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.