الأربعاء 23 صفر / 23 أكتوبر 2019
08:30 ص بتوقيت الدوحة

آن أوان الانتقال لمرحلة جديدة

آن أوان الانتقال لمرحلة جديدة
آن أوان الانتقال لمرحلة جديدة
بعد اجتماع دام طوال ليل الثلاثاء الماضي، وامتد حتى فجر الأربعاء، وقّع أطراف المفاوضات في السودان على (الاتفاق السياسي) الذي توافقوا عليه كقاعدة يقوم عليها التعاون في إدارة دفة الحكم في البلاد طوال الفترة الانتقالية التي تستمر تسعة وثلاثين شهراً، ويمهّد السبيل لانتخابات حرة ونزيهة تنقل السودان إلى وضع ديمقراطي نطمح في أن يكون راسخاً ودائماً.
حقاً لقد كان المراقبون يتوقعون أن يتم التوقيع على الوثيقتين معاً -وثيقتي الاتفاق السياسي والمرسوم الدستوري- حتى نفرغ من هذه العمليات الإجرائية، ونؤسس حكومة الفترة الانتقالية، لتتولى مهامها العاجلة التي ما عادت تحتمل المزيد من التأجيل والتأخير، ومصالح الناس تعاني من التراكم والإهمال، والموقف الاقتصادي يتدهور كل صباح، والأزمات العديدة تطل برأسها هنا وهناك، ولكن ما كل ما يطلبه المرء يدركه، وقد ظللنا نتابع بكثير من التوتر والقلق المحاولات العديدة المبذولة دون جدوى لتجاوز الخلافات حول المرسوم الدستوري، ومهما كانت أهمية القضايا المختلف عليها، فإن ذلك لا يبرر التباطؤ والتلكؤ في حسمها.
إن الاتفاق السياسي الذي وُقّع بالأمس لا يقل أهمية عن المرسوم الدستوري الذي تأجل التوقيع عليه حتى اليوم، على أمل الوصول إلى تفاهم يتجاوز الخلافات الحالية، الاتفاق السياسي هو القاعدة التي بني عليها المرسوم الدستوري، وديباجة الاتفاق كررت المبادئ التي تحكم الميثاق الدستوري، ولو التزم الطرفان بما ورد فيه لما نشأت أية خلافات حول الوثيقة الدستورية.
على سبيل المثال فإن الصراع حول حصانة أعضاء مجلس السيادة يحسمه المبدأ الأساسي المتفق عليه في (حكم القانون)، وهو أن يرفض الناس رفضاً باتاً أية محاولة (للإفلات من العقاب)، والحصانة المطلقة تقنين للإفلات من العقاب لا تقبل عليه أي دولة ديمقراطية، والطرفان قد أكدا في هذا الاتفاق السياسي عزمهما على تأسيس دولة القانون التي تعترف بالتنوع، وترتكز على المواطنة أساساً للحقوق والواجبات، وإعلاء قيم العدالة الاجتماعية، والعدل والمساواة. وكل هذه القيم التي أكدوا عليها لا تتيح «الإفلات من العقاب» عبر «الحصانة المطلقة»، غير أن طبيعة منصب «رأس الدولة» -فرداً كان أو مجلساً- تبرر منحه حصانة إجرائية محدودة، وهذه ميزة تحصل عليها كل هذه المناصب في مختلف مواقع الدولة دون أن تتعدى الجانب الإجرائي إلى الحصانة الشاملة، وبالتالي فإن أية خلافات حول أمر الحصانات ينبغي أن تحسم استناداً إلى روح هذا الاتفاق السياسي، وتعاد صياغته على هذا الأساس.
أما الحديث عن «هيكلة الأجهزة» فهو في مؤسسات كل الدول واجب تتصدى له الدولة المدنية التي ترسم السياسات وتضع الهياكل، وفي نظامنا البرلماني هذه هي مسؤولية مجلس الوزراء دون سواه، وفق قواعد متعارف عليها.
إننا نتطلع إلى أن تحسم هذه الخلافات غير المبررة، بحيث تنتهي حالة التوتر والتردد، وننطلق لنواجه متطلبات المرحلة المقبلة، وهي أمور يشيب من هولها الولدان لو كان المقبلون على استلام السلطة يدركون أبعاد الأزمة، ومواجهة تلك الأزمات ما عادت تحتمل تأخيراً أو تأجيلاً! وكل يوم يمر يزيد الأمور تعقيداً أو يخلق تحديات جديدة، ولا يمكن أن نبدأ العبور إلى مرحلة جديدة ما لم تتوافر لدينا جميعاً إرادة سياسية غلابة وعزيمة صلبة تستمد صلابتها من التضحيات العظيمة التي قدمها شباب هذا الحراك الثوري!
لقد مرت ثلاثة أشهر ويزيد منذ أن سقط نظام الإنقاذ، وما زال السودان بلا حكومة، وما زال الثوار الذين انتصرت ثورتهم يجلسون في مقاعد المعارضة، ويرددون خطاب المعارضة، والأزمات تزداد تراكماً، وما عاد الأمر يحتمل مزيداً من التأجيل.. والأمل معقود أن يحسم الأمر هذا المساء.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.