الإثنين 17 ذو الحجة / 19 أغسطس 2019
02:07 م بتوقيت الدوحة

عن هذا الاحتفال بتراجع التديّن.. هل تراجع حقاً؟

عن هذا الاحتفال بتراجع التديّن.. هل تراجع حقاً؟
عن هذا الاحتفال بتراجع التديّن.. هل تراجع حقاً؟
لم يحدث أن أثار استطلاع للرأي كل تلك الضجة التي أثارها استطلاع نشر مؤخراً لمؤسسة لم يسمع بها أكثر الناس، بالتعاون مع «بي. بي. سي»، وقبل إن 25 ألفاً قد شاركوا فيه.

شخصياً، ولدي مليون متابع على موقع «تويتر» من مختلف الأقطار، كتبت تغريدة عن الاستطلاع، وطالبت أي أحد شارك فيه من العالم العربي أن يرد عليّ بالإيجاب، فلم يردّ أيّ أحد.

ليس هذا تشكيكاً في الاستطلاع، ولكنه أمر لافت بالطبع أن لا يرد من بين المشاركين، ولو شخص واحد.
لنفترض أن الاستطلاع صحيح بالفعل، مع أنني كتبت سابقاً أن الاستطلاعات في العالم العربي لا تبدو ذات قيمة، لأن أكثر أقطاره تعيش أجواءً من الخوف، ومن عدم التعود على قصة الاستطلاعات، ولذلك ستجد أن الإجابات غالباً ما تكون غير معبّرة عن الضمير العام للناس على نحو حقيقي.

أقول ذلك لأن في الاستطلاع أسئلة كثيرة كانت إجابتها غير منطقية، مثل ما يتعلق بالموقف من الكيان الصهيوني، لكن الجانب الذي تم التركيز عليه، والمتعلق بالتديّن ربما كان صحيحاً، وملموساً بعض الشيء، فهل تمضي ظاهرة التديّن نحو الأفول، كما احتفل كارهوها، أم هي راسخة كما يرى آخرون؟
اللافت في قصة الاستطلاع المذكور هو أن أكثر جزئية تم التركيز عليها هي تلك المتعلقة بالتديّن. واللافت أكثر هو احتفال كثيرين بالنتيجة التي أشارت إلى قدر ليس كبيراً من التراجع، حيث قال الاستطلاع إنه «منذ عام 2013؛ ارتفعت نسبة الذين يصفون أنفسهم بأنهم «غير متدينين» من 8% إلى 13%».

الحق أن الأمر يحتاج إلى بعض التفصيل، ذلك أن صعود مد التديّن في المجتمعات العربية خلال الألفية الجديدة كان قد بلغ مستويات غير مسبوقة؛ ربما منذ قرون، ولهذا الصعود أسباب عديدة، تأتي في مقدمتها الأجواء السياسية الساخنة إبان الربيع العربي، وقبله احتلال العراق والمقاومة التالية (لاحظ أن التأريخ للتراجع قد بدأ بعد انكسار موجة الربيع العربي في 2013)، إضافة إلى جهود الدعاة وثورة الاتصالات.
ولأن الأمر كذلك، فإن التراجع يبدو متوقعاً، لأن المجتمعات في حالات الحروب أو الثورات تميل للتديّن، وحين تعود الأجواء إلى طبيعتها يبدأ المد بالتراجع تدريجياً.
هل يعني ذلك أن ظاهرة التديّن ليست في خطر؟
الجواب هو لا. إنها في خطر بالفعل، ليس بسبب تراجع الأجواء التي عززتها وحسب، بل لأن هناك إرادة من قبل بعض الأنظمة لمحاصرتها، وقد قلنا مراراً إن ذلك نتاج مقاربة سياسية تقول إن التديّن يمنح حاضنة لما يسمى «الإسلام السياسي»، ولا بد تبعاً لذلك من حصار التديّن، كي يتم النجاح في حصار «الإسلام السياسي».
هناك اليوم جهود كبيرة (من بينها عمليات تغريب مع تشكيك في ثوابت الدين)، وأموال طائلة تُدفع من أجل محاربة ظاهرة التديّن، بينما يساهم تراجع قوة الحركات الإسلامية ونشاطها في الشارع في تراجع الظاهرة.
يحدث ذلك لأن التديّن الإيجابي الذي طرحته قوة ما يسمى «الإسلام السياسي»، كان يمثل الرافعة لظاهرة التديّن، ومن دون تواصل هذا اللون من التديّن الإيجابي الذي يلتحم مع هموم الناس، فإن التراجع يغدو أمراً طبيعياً.
من هنا، فإن على العاملين للإسلام أن لا يدفنوا رؤوسهم في الرمال بالقول إن ما قاله الاستطلاع ليس صحيحاً، إذ لا حاجة له أصلاً كي ندرك أن هناك بعض التراجع، والذي ينبغي أن يتم التصدي له بوسائل كثيرة، من بينها إعادة الاعتبار للخطاب الإسلامي الذي يحمل هموم الناس، مهما واجه من عنت، بجانب مواجهة عمليات التغريب، فضلاً عن الرد السريع والدائم على كل الشبهات التي تُطرح حول الدين ومنظومته.
في الأمر تفاصيل كثيرة، لكن المواجهة تبدأ من إدراك حقيقة الخطر القائم والقادم؛ بدون مكابرة، فالصحوة في خطر، ومن دون مواجهة جدية سيأخذ مدها بالتراجع، في ظل الجهود الكبيرة التي أشرنا إليها، وتدفع في هذا الاتجاه. ولا شك أن تهميش التناقضات بين الحريصين على الصحوة أمر ضروري، إذ هم الذين استُخدم بعضهم ضد بعض في المرحلة الماضية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.