الأربعاء 22 ربيع الأول / 20 نوفمبر 2019
02:46 م بتوقيت الدوحة

«تقليدية» بوتن كبديل عن «ليبرالية» الغرب

«تقليدية» بوتن كبديل عن «ليبرالية» الغرب
«تقليدية» بوتن كبديل عن «ليبرالية» الغرب
يعرف الرئيس الروسي عمّا يتكلّم، وعندما نعى أخيراً الليبرالية الغربية لم يكن يستخدم «بروباغندا» من النوع السوفييتي البائد، بل يستند إلى وقائع يتعامل معها، وهناك مَن يقول إنه يدفع إليها ويساهم في صنعها، من خلال القرصنة الإلكترونية أو «الحرب السيبرانية» التي لم تهدأ بعد منذ اكتشاف التدخّل الروسي في الانتخابات الأميركية، وفي انتخابات أخرى أوروبية. لكن الأهم أن فلاديمير بوتن يفسّر مجمل سياسات دونالد ترمب وتوجّه بريطانيا إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي على أنها عوارض تحوّلات أميركية- غربية من اعتناق الليبرالية للعودة إلى النهج التقليدي المحافظ. ولا غرابة في هذا الاستنتاج فقد أسهب الإعلام الغربي قبل سواه في وصف وتحليل ظواهر الانحدار المتواصل لأحوال الليبرالية فكراً وممارسة. لكن مجلة «الإيكونوميست» خصّصت موضوع غلافها قبل أسبوعين، مدفوعة بتصريحات بوتن، للأزمة التي تمرّ بها «المحافظة» (كونسيرفاتيسم) حول العالم.
حدّد الرئيس الروسي «معايير» لاستنفاد الليبرالية أهدافها، مشيراً تحديداً إلى المعارضة الشعبية للهجرة، وفتح الحدود، والتعدّد الثقافي، والتسامح الاجتماعي... ما انعكس سلباً، في نظره، على الثقافة والتقاليد والقيم الأسرية لغالبية السكان. كأن بوتن يتحدّث بلسان اليمين المتطرّف وأقطابه، من ترمب إلى الإيطالي ماتيو سالفيني، والمجري فيكتور أوربان، والفرنسية مارين لوبن، وصولاً إلى بوريس جونسون الذي يستعد لتسلّم رئاسة الحكومة البريطانية. فكل هؤلاء يتبنون سياسات يعتبر بوتن أنه سبقهم إليها، بل إنه أصبح رائدَ موجةٍ عالمية، يسعون هم إلى اللحاق بها، لكن بعضاً منهم لم يتخلّص بعد من قيم الانفتاح التي أرستها الليبرالية. لكنه يتجاهل طبعاً أن هذا الانفتاح الذي كُرّس بعنوان «العولمة» كان المحرّك الرئيسي للازدهار الاقتصادي، وهذا ما لم تشهده روسيا إلا جزئياً.
في الواقع، لا تبدو تنظيرات بوتن ترويجاً لفشل الليبرالية فحسب، بمقدار ما هي محاولة للقول إن الديمقراطية الغربية نفسها ما عادت صالحة كنموذج ولا كقيمة يستحقان توجيه الشعوب المأزومة إليهما. لذلك جاء الردّ عليه بأن النموذج المستوحى من تجربته أفضى عملياً إلى «الاستبداد وعبادة الفرد وحكم الأقليات»، وفقاً للبولندي دونالد توسك رئيس المجلس الأوروبي، وإلى إفساد «حكم القانون» و»الحريات العامة»، كما نبّه البريطاني جونسون. أي أن نهجاً آخر غير الليبرالية وتلازمها مع الديمقراطية لم يتبلور بعد. مع ذلك، يمكن بوتن أن يحاجج الأوروبيين بأن «اتحادهم» لا ينفكّ يتصدّع وأن مجتمعاتهم تعود تلقائياً إلى تقاليدها السابقة عبر القوميين والشعبويين، يميناً ويساراً، الذين أصبحوا «قوة تغييرية» عبر صناديق الاقتراع.

لا تكمن خطورة آراء بوتن في الاستنتاجات التي ساقها، بل في أن «التعددية القطبية» العالمية، كما تدافع عنها روسيا والصين، باتت تفرض مفاهيمها، سواء في تجاوز ميثاق الأمم المتحدة وتعطيل مجلس الأمن الدولي، أو في دفاعهما الصلب عن الحالات الاستبدادية (سوريا كمثال) حتى عندما ترتكب الأنظمة جرائم حرب، فضلاً عن رعايتهما لدول مثل كوريا الشمالية، أو اعترافهما الفعلي بالجماعات «اللا دول» التي تستشري هنا وهناك، وتسعى إلى إدامة نمط صراعات يتيح لأفرادها سلطة لا مشروع لها وغير قابلة للتطوّر أو لبلورة مجتمعات مستقرّة. لكن ما أتاح لروسيا وكذلك للصين هذا الحُكم على الليبرالية، واستطراداً على الديمقراطية، هو ما تريانه من تقلّبات وتراجعات في السياسات الغربية، فكثيراً ما شهدت بكين استعدادات أميركية وأوروبية بغض النظر عن انتهاكات فاضحة لحقوق الانسان في مقابل صفقات تجارية، كما أن موسكو استطاعت مراراً إبرام تسويات سياسية مع واشنطن لقاء السكوت عن مجازر في الشيشان، وتوسّع روسي في أراضي دول مجاورة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.