الجمعة 21 ذو الحجة / 23 أغسطس 2019
03:30 ص بتوقيت الدوحة

نهاية العالم المسطّح (1-2)

نهاية العالم المسطّح (1-2)
نهاية العالم المسطّح (1-2)
منذ خمسين عاماً، كان الاعتقاد السائد يتمثّل في أن الدول الغنية تسيطر على البلدان الفقيرة، وكان من المفترض على نطاق واسع أن تصبح الدول الغنية أكثر ثراء والبلدان الفقيرة أكثر فقراً، على الأقل نسبياً. حذّر خبراء اقتصاديون -مثل جونار مردال في السويد وأندريه غوندر فرانك في الولايات المتحدة وفرانسوا بيروكس في فرنسا- من تزايد عدم المساواة بين البلدان وتطوّر التخلف والهيمنة الاقتصادية. وكانت التجارة والاستثمار الأجنبي موضع شك.
أظهر التاريخ أن هذا الاعتقاد كان خاطئاً. كان التطور الاقتصادي الأكثر أهمية خلال الخمسين سنة الماضية هو التقريب بين مستويات الدخل المختلفة لمجموعة كبيرة من البلدان الفقيرة. كما أشار ريتشارد بالدوين -من معهد جنيف للدراسات العليا- في كتابه الشهير «التقارب الكبير»، إلى أن الدوافع الرئيسية لنمو اللحاق بالركب هي التجارة الدولية والانخفاض الحاد في تكلفة نقل الأفكار؛ ما يسمّيه بـ «التفكيك الثاني» (للتكنولوجيا والإنتاج). كان توماس ل. فريدمان -من صحيفة «نيويورك تايمز»- هو أفضل من لخّص جوهر هذه المرحلة الجديدة. ادّعى في عام 2005 أن الملعب يتم تسويته: أصبح العالم مستوياً.
لا تنطبق هذه الصورة القائمة على المساواة في العلاقات الاقتصادية الدولية على تدفقات المعرفة والتجارة والاستثمار فقط. منذ عشرين عاماً، اعتبر معظم الأكاديميين أن أسعار الصرف العائمة كانت عنصراً آخر من عناصر التسوية: يمكن لكل دولة -كبيرة كانت أم صغيرة- أن تتّبع طريقة النقد الخاصة بها، ما دامت مؤسسات السياسة الداخلية لديها سليمة. فقد اختفى عدم التماثل المميّز لأنظمة سعر الصرف الثابت. وحتى تدفقات رأس المال، كانت تُعدّ معادلات محتملة، وإن كانت لفترة وجيزة. كانت تتمثّل فكرة صندوق النقد الدولي عام 1997 في جعل تحريرها هدفاً للجميع.
في هذا العالم، يمكن اعتبار الولايات المتحدة مجرد دولة أكبر وأكثر تقدماً. لقد كانت مبالغة، بلا شك. لكن القادة الأميركيين أنفسهم غالباً ما يميلون إلى التقليل من أهمية مركزية بلادهم والمسؤوليات المنوطة بها.
ومع ذلك، تغيّرت الأمور مرة أخرى: من الاستثمارات غير الملموسة والشبكات الرقمية إلى التمويل وأسعار الصرف، هناك إدراك متزايد بأن التحولات في الاقتصاد العالمي أعادت تأسيس مركزيتها. العالم الذي يخرج منها لم يعد يبدو مسطّحاً؛ بل يبدو شائكاً.
أحد الأسباب التي تفسّر ذلك، هو أنه في اقتصاد رقمي بشكل متزايد -حيث يُقدّم جزء متزايد من الخدمات بدون تكلفة هامشية- تتركز عملية تكوين وتخصيص القيمة في مراكز الابتكار حيث تُجرى استثمارات غير ملموسة. هذا يترك مساحة أقل لمرافق الإنتاج حيث تُصنّع السلع الملموسة.
تساهم الشبكات الرقمية أيضاً في عدم التناسق. قبل بضع سنوات، كان يُفترض عموماً أن يصبح الإنترنت شبكة عالمية من نقطة إلى نقطة دون مركز. في الواقع، فقد تطوّرت إلى نظام شعاعي هرمي؛ وذلك لأسباب تقنية إلى حد كبير: يُعدّ الهيكل الشعاعي ببساطة أكثر كفاءة. ولكن كما أشار عالما السياسة هنري فاريل وأبراهام ل. نيومان في مقال حديث، فإن بنية الشبكة توفّر ميزة كبيرة لكل من يتحكم في عُقدها.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.