الثلاثاء 20 ذو القعدة / 23 يوليه 2019
06:56 ص بتوقيت الدوحة

«حوّل لي فلوس»!

سحر ناصر

الخميس، 13 يونيو 2019
«حوّل لي فلوس»!
«حوّل لي فلوس»!
يصادف يوم الأحد المقبل 16 يونيو، اليوم الدولي للتحويلات المالية الأُسرية، هذا اليوم الذي يحتفي فيه العالم بكلّ فرد يعمل خارج وطنه، ويقوم بتحويل مبلغ من المال لإعالة أُسرته في بلده الأصلي. هذا الشعور بالمسؤولية الذي لا يعرفه سوى المقيمين والمغتربين، الذين انتقلوا إلى دول خارج وطنهم، وغالباً ما يُعانون من مشقّة «الغُربة» التي لها سلبيات عديدة على الجسد، والنفس، والروح، والذاكرة، رغم إيجابياتها المادية والنفسية السلبية في كثير من الأحيان.
التحويلات المالية الأُسرية التي وإن طال أمدها تصبح روتيناً، بالنسبة للأسر المُحوّل إليها، حيث يكبر الأبناء بعيداً عن أحد ذويهم، فتصبح الأم عزباء بكل ما للكلمة من معنى، حيث تعتني بابنها أو ابنتها وحيدةً، ويصبح الأب بمثابة «الصراف الآلي» فقط للأبناء يتحكمون فيه عن بُعد.
وبعد مرور الأيام والعقود، يتخرّج الأبناء بالأموال المُحوّلة، وتأتي ساعة الحقيقة، هذه الساعة التي يُدرك فيها الأبناء أنهم فقدوا الانتماء النفسي مع والدهم أو والدتهم أو المعين الذي يُحوّل لهم شهرياً مبلغ الإعالة الأُسرية، وتبدأ المناوشات العائلية التي تؤدي فيما بعد إلى شرخ أُسري. إذ يقول المُعيل لهم: «لقد تغربتُ وتعبتُ كي أؤمن لكم لقمة العيش الكريمة، وأنتم لا تقدرون ذلك، وتهتمون بأنفسكم فقط»، وفي أغلب الحالات تُجيب الأم: «كنت ترسل المال فقط لكني أنا من تعذبتُ في السهر على الأبناء وقت المرض، وفي الدراسة، وفي مشاركتهم همومهم»، هنا يبدأ الأبناء بالانسلاخ شيئاً فشيئاً عن الانتماء إلى مفهوم الأسرة كعائلة واحدة مترابطة بداخلها تُقسّم الأدوار، فهل على الأبناء الانحياز إلى مصدر المال، أم إلى مصدر الحنان!
وبين هذا وذاك، تستمر الأُسر بالتفكك نفسياً واجتماعياً، وهذا له عواقب وخيمة لم تذكرها الأمم المتحدة في هذا اليوم، إذ يُعنى هذا اليوم بالأرقام، وفي دورها ببناء الاقتصاد ودعمه. لذا، تشير التقديرات الأممية إلى أن التحويلات العائلية المالية التي يرسلها العمال المهاجرون إلى أقاربهم تدعم 750 مليون شخص آخر في جميع أنحاء العالم؛ وأن هذه التحويلات بين المرسلين والمستفيدين معاً تمسّ حياة شخص واحد من بين كل 7 أشخاص في العالم وذلك بشكل مباشر.
كذلك، تفيد الأمم المتحدة في صفحتها المخصصة باليوم الدولي للتحويلات الأسرية، إلى أنه يوجد حالياً نحو 250 مليون مهاجر دولي في جميع أنحاء العالم ممن يعيشون خارج أوطانهم. وعليه، يقول قليبيرت هونغبو -رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية- إن «الموضوع لا يتعلق بالنقود المحولة، بل بتأثير تلك التحويلات في معايش الأسر. فكل مبلغ صغير من 200 أو 300 دولار يرسله المهاجر يمثل 60% من دخل الأسرة، وهو ما يعني تأثيرا كبيرا في معايش الأسر والمجتمعات التي تعيش فيها».
لا يُمكن للمرء إلا أن يقدّم التحية إلى هؤلاء العمّال، الذين يتحملون مسؤولية أُسرهم، والتي في كثير من الأحيان، وللأسف، لا تستحقها أُسرهم، فإذا كُنت من الذين يعتمدون على أحدهم في الخارج لإعالتك، تأكد أن هذا الشخص بقدر سعادته لتوفير متطلباتك -سواء كنت أباً أو أماً أو أخاً أو ابناً أو ابنة- بقدر ما يرغب أحياناً بالتوقف عن العمل واستنشاق -ولو ليوم- هواء الحرية دون أعباء هذه المسؤولية التي تتجسد بتحويلات مالية تُصبح كالسيف المسلط على رقبة المغترب. وغالباً من أجل أن تتباهى الأُسر في دولنا العربية باغتراب أبنائها بين الجيران، حيث ترتفع قيمة المهر، ويُصبح جمال العروس الباهر والفتّان أساس صفقة الاستيراد والتصدير!
الخلاصة، مُرسلاً كنت للمال أم مستفيداً منه، بالتأكيد أنت لم تولد فقط من أجل تحويل المال لغيرك!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

طارت اللحى!

18 يوليه 2019

«اسكوبار» مرّ من هنا

04 يوليه 2019

«حوّل لي فلوس»!

13 يونيو 2019