الأحد 18 ذو القعدة / 21 يوليه 2019
06:32 م بتوقيت الدوحة

فلسفة الذات في منتصف الليل!

فلسفة الذات في منتصف الليل!
فلسفة الذات في منتصف الليل!
ترتكز العلاقات بين الدول بشكل عام على أربعة أُسس: التعاون، والتبعية، والمعارضة، والحياد. فإذا فكرّت سريعاً أينما كُنت وفي أي دولة وفق هذه الركائز، يمكنك ببساطة أن تُخمّن الدول التي تتعاون معها دولتك، والأخرى التي تتبع لها، أو التي تعارضها، أو التي لا تتخذ منها أي موقف بالأساس وتحيد عن شؤونها. وهذا شيء طبيعي في العلاقات الدولية حيث غالباً ما تنطلق العلاقات بين الدول من مبدأ الحفاظ على الذات، كما هو حال العلاقات الفردية، إذ كثيراً ما نلجأ إلى التعاون مع أشخاص معينين من أجل تحقيق منفعة مادية أو معنوية أو نفسية أو فكرية، تماماً كما نلجأ إلى معارضة أشخاص آخرين لأننا لا نقتنع بسلوكياتهم أولا تعجبنا أفكارهم. وهناك أناس معينون، نعشق بلا وعي أن نتبعهم، وهذه هي الظاهرة الأكثر شيوعاً على مستوى الدولة والفرد، فكما تتبع الدول التي استُعمرت قديماً مستعمريها حديثاً في مناهجها التعليمية واستراتيجيتها نحو البقاء، وخصوصاً أن هذه الدول المُستعمِرة فرضت قوتها وشروطها على التي نشأت نتيجة إنهاء الاستعمار، بعد الحرب العالمية الثانية، نحن أيضاً كأفراد نتبع زعماءنا، سواء الذين كرسوا زعامتهم بالقوة أو بالديمقراطية والشرعية، ومنا من يتبع رجال دين، وهذه أكثر أنواع التبعية انتشاراً، وآخرون يتبعون الفاشينستا، والشخصيات العامة التي تعيش رفاهيتها وتضاعف ثروتها على حساب «غبائنا».
وقد تتبع الدولة كالفرد سياسة الحياد، عندما لا يكون من مصالحنا أن نتعاون أو نعارض أو نتبع أحدهم، وهذا بالنسبة لي أقصى أنواع التعذيب، لأنني ببساطة لا أؤمن بالحياد إلا في ظروف معينة، وحالات لا نمتلك فيها القدرة على الانحياز، أو ربما في وضع نكون فيه من الحكمة عدم الانحياز، مثال بسيط على ذلك: «مين بتحب أكثر والدك أو والدتك»؟ هنا الحياد واجب منعاً لاندلاع حرب البكاء والعقوق، وما إلى ذلك من نكد أُسري نحن بغنى عنه.
المهم، وبناء على ما ورد أعلاه، فإن المحافظة على الذات مفهوم تحدث عنه الفيلسوف البريطاني «هوبس» (١٥٨٨-١٦٧٩)، الذي اعتبر أن قاعدة التصرف الإنساني الأولى هي العمل من أجل المحافظة على الذات، لكون حاجة الإنسان إلى الطمأنينة تدفعه إلى ذلك.
والخلاصة من وجهة نظري، هي أن مفهوم المحافظة على الذات قد تبدل عما كان في السابق، نتيجة لتشابك العلاقات بين الدول والأفراد بسبب التقدم التكنولوجي، وبالتالي وصلنا إلى مرحلة فقدان الذات، أو على الأقل فقدان التواصل مع ذاتنا دولاً كنا أم أفراداً، ولهذا تكثر النزاعات بين الدول، لأن «الذات» في الدولة أصبحت أكبر من الوطن، ولأن «الذات» الفردية أضحت تائهة في زحمة الضغوطات اليومية، حيث أصبح الفرد يشعر بأنه وحيد في مواجهة القلق والخوف، لأنه يشعر بأن الدولة غير قادرة على حمايته كفرد، ومن هنا كثرت عمليات الانتماء إلى الجماعات المتطرفة التي تسمّ العقول من خلال تفخيم ذواتهم إلى حد تفجيرها!
اعذروني على «الفلسفة» في هذا المقال، لكن صدقاً أشارككم أفكاري عند الثانية بعد منتصف الليل، لأن الأرق صديقي في هذه الأيام، وأنا أعاني وأحاول عبثاً البحث عن ذاتي في زحمة الدول والأفراد وضجيجهما!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

طارت اللحى!

18 يوليه 2019

«اسكوبار» مرّ من هنا

04 يوليه 2019

«حوّل لي فلوس»!

13 يونيو 2019