الأربعاء 19 ذو الحجة / 21 أغسطس 2019
01:31 ص بتوقيت الدوحة

أوروبا والإمبريالية الجديدة (2-2)

أوروبا والإمبريالية الجديدة (2-2)
أوروبا والإمبريالية الجديدة (2-2)
من منظور أوروبا، ترقى هذه التطورات إلى صدمة كبرى. فمن الناحية الاقتصادية، يُعَد الاتحاد الأوروبي قائداً للنظام الليبرالي في فترة ما بعد الحرب: وبوصفه نصيراً للأسواق التنافسية، قام بإجبار شركات أجنبية قوية مراراً وتكراراً على الالتزام بقوانينه. ولكن على الصعيد الجيوسياسي، كان الاتحاد الأوروبي حريصاً دائماً على الفصل بين الاقتصاد والعلاقات الدولية، وبالتالي شعر بالارتياح والاطمئنان في ظل نظام متعدد الأطراف قائم على القواعد، حيث كانت الممارسة المطلقة لسلطة الدولة مقيدة بالضرورة. وتُعَد النزعة القومية والإمبريالية من أسوأ كوابيس الاتحاد الأوروبي.
يتمثل التحدي الذي يواجه أوروبا الآن في وضع نفسها في مشهد جديد حيث القوة أكثر أهمية من القواعد ورفاهة المستهلك. ويواجه الاتحاد الأوروبي ثلاثة أسئلة كبرى: هل هناك ضرورة لإعادة توجيه سياسة المنافسة؟ وكيف يمكن الجمع بين الأهداف الاقتصادية والأمنية؟ وكيف يمكن تجنب التحول إلى رهينة اقتصادية لأولويات السياسة الخارجية الأميركية؟ يتطلب الرد على هذه التساؤلات إعادة تعريف السيادة الاقتصادية.
تخضع سياسة المنافسة لمناقشة محتدمة. يريد بعض الناس تعديل قواعد مكافحة الاحتكار في الاتحاد الأوروبي لتمكين ظهور «الشركات الكبرى» الأوروبية. ولكن تظل مثل هذه المقترحات موضع تساؤل. صحيح أن أوروبا تحتاج إلى المزيد من مبادرات السياسة الصناعية في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والبطاريات الكهربائية، حيث أصبحت عُرضة للتخلف وراء قوى عالمية أخرى. وصحيح أن الهيئات التنظيمية التي تصدر الأحكام بشأن عمليات الدمج والمساعدات الحكومية لا بد أن تضع في الاعتبار نطاق المنافسة المتزايد عالميا. وصحيح أن التقييمات الثابتة لقوة السوق لا بد أن تستكمل بالاستعانة بأساليب أكثر ديناميكية وتحترم قيمة الإبداع. لكن لا شيء من هذا قد يغير حقيقة مفادها أننا في هذا العالم الذي تهيمن عليه الشركات العملاقة نحتاج إلى سياسات منافسة أكثر قوة لحماية المستهلكين.
من السهل الخلط بين المنطق الاقتصادي والمخاوف الأمنية. فربما يكون اتخاذ القرار برفض عملية اندماج، أو التصريح بعملية استثمارية تعود بالفائدة على منافس أجنبي له دوافع سياسية، منطقياً من الناحية الاقتصادية، في حين يثير نفس القرار الدهشة في دوائر السياسة الخارجية. والحل ليس التدخل في قواعد المنافسة، بل إعطاء المسؤولين عن الأمن بعض الرأي في عملية اتخاذ القرار.
لتحقيق هذه الغاية، نقترح في بحث سيصدر قريباً، منح الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والأمنية الحق في الاعتراض لأسباب أمنية على عمليات اندماج، أو قرارات استثمارية تقترحها المفوضية الأوروبية.
أخيراً، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يبذل المزيد من الجهد لتطوير مجموعة أدواته المالية لتشجيع استخدام اليورو على المستوى الدولي. ولا ينبغي لأحد أن يتوهم أن اليورو قد يحل محل الدولار. ولكن مع إشارة الولايات المتحدة إلى أنها تعتزم استخدام «وال ستريت» والدولار الأميركي كأدوات للسياسة الخارجية، لم يعد بإمكان أوروبا أن تتخذ موقف المتفرج المحايد السلبي. فمن خلال الاستعانة بخطوط المقايضة مع البنوك المركزية الشريكة وغير ذلك من الآليات، يمكنها أن تجعل اليورو أكثر جاذبية في نظر الأجانب، في حين تعمل على تعزيز سيادتها الاقتصادية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.