الإثنين 17 ذو الحجة / 19 أغسطس 2019
09:26 ص بتوقيت الدوحة

جريمة نيوزيلندا في إطارها الأوسع

جريمة نيوزيلندا في إطارها الأوسع
جريمة نيوزيلندا في إطارها الأوسع
لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو كردياً يبكي حزناً وألماً على ما أصاب إخوانه المسلمين في أقصى الكرة الأرضية، وهو لا يعرفهم ولا يعرف جنسياتهم ولا أسماءهم، أتأكد أن الهوية الإسلامية الجامعة ما زالت تعيش في ضمائرنا وتجري في عروقنا.
لكن جمرة الغضب سرعان ما تخبو وتنطفئ إن لم تقترن بتشخيص دقيق وتصوّر واع ضمن الدائرة الأشمل والأوسع.

بداية ربما لا نحتاج أن نشخّص الدوافع الكامنة وراء هذا الإجرام، فالمجرم لم يكن على خلاف شخصي مع إمام المسجد مثلاً، ولا على خلاف مع المصلين في مسألة مالية أو اجتماعية، فالجريمة استهدفت المسجد، وكل إنسان مسلم موجود في هذا المسجد، وهذا باختصار معناه وجود كراهية وأحقاد متأصلة وراسخة في تكوين هذا المجرم ونظرته وثقافته تجاه الإسلام والمسلمين.

والسؤال هنا؛ كيف تكونت هذه الثقافة؟ وهل هي ثقافة شخص أو ثقافة تيار له أصوله وفروعه وخلاياه الهائمة والنائمة؟
من المؤسف بالنسبة لنا، وبالنسبة للإنسانية بمعناها الأوسع كذلك، أن تكون هذه ثقافة تيار واسع وليس ثقافة شخصية محدودة، بل هي في كثير من الحالات ثقافة مدعومة أو محمية من قبل أنظمة عالمية كبرى!

نعم نحن عندنا مجانين كما أن عندهم مجانين، لكننا وقفنا جميعاً بكل مؤسساتنا الحكومية والدينية والمجتمعية ضد مجانيننا، وبذلنا الدماء الغالية في محاربتهم وكبح جماحهم، ولم تحصل جريمة في الغرب إلا هبّ رؤساؤنا وكبار علمائنا للاستنكار والتنديد وتقديم التعازي والتبري الرسمي والفعلي من الفاعلين، ولكن حينما نكون نحن الضحايا يكون الآخرون في وضع مختلف، لا يرتقي في أحسن أحواله فوق تسجيل المواقف الشكلية والدبلوماسية، خذ مثلاً جرائم العصابات البوذية في بورما، والتي وصلت إلى حرق الأطفال وإغراقهم في البحيرات والأنهار، وهكذا أيضاً عصابات الأسد التي تعمّدت قصف الأطفال بالسلاح الكيماوي على مقربة من القواعد الأميركية والروسية، وحتى هذه اللحظة لم تصدر بحقه أية عقوبة دولية، بل الدب الروسي لا يتردد في إعلان تأييده الكامل لما يقوم به الأسد دون خجل ولا وجل، ويذكر العالم كله يوم وقفت أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية في إحدى الجامعات الأميركية لتبرر قتل نصف مليون طفل عراقي معتبرة هذا ضرورة لتطبيق الشرعية الدولية! ويذكر العالم كذلك الصور التذكارية التي كان يلتقطها الجنود الأميركيون مع الضحايا العراة في سجن أبي غريب؟

ليس معنى هذا أن الغرب جميعاً قد تواطأ على ذلك، فنيوزيلندا لا مصلحة لها بهذه الجريمة، ولا شك أنها متضررة أكثر من غيرها، وفي العالم الغربي كثير من التيارات التي قد تكون حزينة لما حصل أو يحصل، لكن هناك قوى فاعلة في هذا العالم ترى من ضرورات مصالحها توسيع سياسة «الفوضى» ونشر ثقافة الشر، وما لم تقف الإنسانية بوجه هذه القوى وتفضح مشاريعها ومخططاتها، فإنها ستغرق في بحر من الدم والبؤس والشقاء لا نهاية له.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.