الخميس 18 رمضان / 23 مايو 2019
06:48 ص بتوقيت الدوحة

ضمان نزاهة الانتخابات أهم من تقييد الفترات الرئاسية

ضمان نزاهة الانتخابات أهم من تقييد الفترات الرئاسية
ضمان نزاهة الانتخابات أهم من تقييد الفترات الرئاسية
درجت بعض النظم الديمقراطية على تقييد الدورات الانتخابية الرئاسية، وذلك بألا تزيد عن دورتين، يقدم أصحاب فكرة التقييد حججاً لدعم فكرتهم، أهمها تجديد الأفكار والقيادات، بما يعني ضخ أفكار جديدة والحفاظ على الحيوية في مؤسسة الرئاسة، التي قد يهددها التكلس بطول بقاء رئيس واحد على سدة الحكم، فيعجز عن تجديد رؤاه، لكن لأصحاب فكرة عدم التقييد رؤية مختلفة، إذ يرون أن إطلاق فترات الرئاسة يمنح الشعب فرصتي التجديد وعدم التجديد، فيجدد إذا رأى في الرئيس الذي قضى دورتين عبقرية تؤهله لقضاء فترة ثالثة ثم رابعة، ولا يجدد له إذا رأى عدم جدارته، فيمنع استمراريته ولو بعد دورة واحدة فقط، ويعزز أنصار إطلاق فترات الرئاسة رأيهم بالإشارة إلى ما يعتبرونه وصاية من المشرّع على الإرادة الشعبية حين يحرم الشعب من تحقيق إرادته في التجديد لرئيس أظهر كفاءة وجدارة لافتتين، ولا يخفى ما في تكبيل إرادة الجماهير من طعن في جوهر الفكرة الديمقراطية.

أفضّل -من وجهة نظري الشخصية- عدم التقييد، مشيراً في هذا الأمر إلى التجربة الأميركية التي يقتدي بها أنصار التقييد، يُعرف أن التقييد قد منع الشعب الأميركي أن ينتخب كلينتون أو أوباما لدورة ثالثة، ولو رأى الشعب أن من مصلحة الولايات المتحدة التجديد لهذين الرجلين -على سبيل المثال- بينما تمكن الشعب الأميركي من انتخاب فرانكلين روزفلت لأربع دورات ما بين 1933 و1945، عندما كان الدستور يسمح بذلك، وتحت مظلة الدستور ذاته غير المقيد، أمكن للشعب الأميركي أن يسقط الرئيس جون آدامز بعد دورة واحدة، ليفوز المرشح المنافس جيفرسون، كما قضى الرئيس ويليام هوارد تافت دورة واحدة في البيت الأبيض، حيث خسر عام 1912 أمام ويلسون، وخسر الجمهوري هربرت هوفر أمام المرشح الديمقراطي روزفلت بعد دورة رئاسية واحدة، أي أن الدستور غير المقيد يتيح برحابته كل الخيارات، فيجدد الشعب لرئيس لأكثر من دورتين لتفيد الولايات المتحدة من القدرات الفذة للرئيس روزفلت، ويبعد آخرين بعد دورة واحدة عندما يقتنع الشعب أنهم غير جديرين بالاستمرار لأكثر من دورة.

في موضوع ذي صلة، نتابع بين حين وآخر احتجاجات في بعض البلدان رفضاً لتعديل الدستور لإتاحة الفرصة لرئيس انتهت ولايته بنص الدستور، وبالمنطق الذي سقته تأييداً لفكرة إطلاق الدورات الرئاسية، يمكن لهذه الجماهير أن تسقط هذا الرئيس، ولو تم تعديل الدستور ليسمح للرئيس بالترشح لدورات جديدة، فلماذا يا ترى تلجأ هذه الجماهير للتظاهر ولا تختصر الطريق بالتوجه لصناديق الاقتراع لإسقاط الرئيس، بعد أن يمنحه التعديل فرصة جديدة للترشح؟ يبدو جلياً أن الجماهير تلجأ للتظاهر لشكّها في نزاهة الانتخابات، ولو أنها ضمنت نزاهة الانتخابات لما لجأت لهذا الخيار المكلف ولاختارت بلا تردد التوجه لصناديق الاقتراع لتسقط الرئيس، غير آبهة بأمر تعديل الدستور، ولو منح الرئيس عشرين فرصة للتجديد، هذا يعني بوضوح أن الضمانات الكافية لنزاهة الانتخابات تغني الشعوب عن الاضطرار لتدابير أخرى تعبّر بها عن إرادتها، خاصة أن هذه التدابير البديلة تصحبها تضحيات قد تكون كبيرة في كثير من الأحيان، عندما تواجه الجماهير بطش سلطات درجت وتدربت على تزوير إرادة الجماهير.

بعد هذه الأمثلة والمقارنات، يسهل شرح أهمية ضمان نزاهة الانتخابات وعلوّ هذا الخيار على تقييد فترات الرئاسة، ولو طبّقنا هذه الفرضية على الحالة الجزائرية، فما أسهل أن يتوجه الناخبون الجزائريون لصناديق الاقتراع لإسقاط بوتفليقة، ولو منحه الدستور فرصاً لا نهائية للترشح.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.