السبت 22 ذو الحجة / 24 أغسطس 2019
06:49 م بتوقيت الدوحة

الجيوش والسياسة

الجيوش والسياسة
الجيوش والسياسة
ظلّ المجد السياسي مرتبطاً لفترة طويلة في تاريخ البشرية بالتوسع في رقعة الدولة، لذا كانت القوة العسكرية أهم عناصر الدولة القديمة، وظلت الحروب سمة في علاقة الدول، واشتهر في التاريخ القادة الذين أفلحوا في تحقيق غاية التوسع، حتى بنوا إمبراطوريات واسعة، فتطابقت صفتا السياسي والعسكري في تلك المراحل التاريخية، كما في أمثلة الإسكندر وهولاكو ونابليون، وفي التاريخ الحديث، صعد إلى سدة الحكم عسكريون كافأتهم شعوبهم
على بلائهم الحسن في الحرب العالمية الثانية، كما في أمثلة أيزنهاور الذي ترأس الولايات المتحدة الأميركية، وديجول الذي أصبح قائداً تاريخياً لفرنسا.
بعد زوال فكرة التوسع الإمبراطوري، تراجعت فكرة التطابق بين القائد العسكري والزعيم السياسي، وتراجع كثيراً الدور السياسي للجيش في دول الديمقراطيات العريقة، وانحصرت مهمة الجيش في دائرة تخصصه العسكري، لكن الجيش في دول العالم الثالث ابتدع لنفسه مهمة الرقابة على الأداء السياسي، رغم وجود جهة رقابية معروفة حسب مبدأ فصل السلطات في الدولة الحديثة، هي الجهاز التشريعي في الدولة، ولم تقف جيوش دول العالم الثالث عند حدود المراقبة عن بعد، بل منحت نفسها حق التدخل متى رأت بتقديرها أن الأمر يتطلب الحسم الذي يتوفر للمؤسسة العسكرية بطبيعتها المنضبطة، ولا يتوفر للمؤسسات السياسية التي قد تميل للعبث -حسب رؤية العسكريين- بهذا المنطق كثرت تدخلات الجيوش في السياسة عبر انقلابات عسكرية في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، وأصبح مألوفاً ظهور الجنرالات ببزاتهم العسكرية على رأس هذه الدول، وطال بقاؤهم في السلطة، لتتحول دعاوى الحسم والانضباط إلى مداخل للقهر والكبت.
هذه الظاهرة تفرض تساؤلاً عن سر اضطلاع الجيش بالدور السياسي، رغم أنه مؤسسة غير سياسية، ولماذا لا تُعطى مؤسسات غير سياسية أخرى مثل النقابات والمؤسسات والمنظمات الطوعية، حق ولوج ميدان السياسة؟!
بمقارنة بسيطة، نكشف أن القوة العسكرية هي التي تجعل الجيش يتقدم بثقة للعب هذا الدور، فهو لا يشكل الحكومة بسند انتخابي ولا بإرادة شعبية، فيلجأ إلى قوته العسكرية لفرض إرادته، لكن من أين تستمد النقابة أو الاتحاد أو أي تنظيم سياسي مدني القوة ليفرض رؤية ترفضها الإرادة الشعبية؟ ولن نتخيل أعضاء نقابة يسيطرون على الحكم ويعتقلون قادة الحكومة المنتخبة ويعلنون حالة الطوارئ. طول فترة بقاء الجيوش في كثير من دول العالم الثالث رسّخ فهماً غير صحيح، هو أن العسكريين أجدر من غيرهم بالإدارة، فيلجأ رأس الدولة إلى إسناد إدارة مؤسسات مهمة لعسكريين حتى لو كانت طبيعتها تحتاج لمدني مختص. ومع طول بقاء الجيوش في الحكم لم تعد الشعوب تستغرب عسكرة الإدارة، ولكنها قطعاً سوف تعجب لو قرر الرئيس تشكيل حكومة ائتلافية من نقابتي المعلمين والأطباء، باعتبار أن التعليم والصحة يأتيان على رأس المطالب الشعبية. لقد امتدت فترات الحكم العسكري أو شبه العسكري بما يكفي لإصدار حكم منصف على التجربة، ولا يخفى بعد هذه الفترات الطويلة ما ترتب عليها من تبعات الرؤية الواحدة المفروضة بالقوة العسكرية، وما قادت إليه من قهر.
لذا أصبح الحكم الشمولي الأحادي مرفوضاً، وهو عادة ما يستند إلى قوة نظامية تدعمه، وعليه يصبح الحكم العسكري المباشر أدعى للرفض، ولا يبقى للجيش فرصة للتدخل إلا في حالات استثنائية عندما يهدد البلاد تمرد عسكري داخلي يهدد وجود الدولة نفسها، وهي حالة استثنائية تنتهي بزوال المسبب.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.