الأربعاء 18 شعبان / 24 أبريل 2019
05:26 م بتوقيت الدوحة

لماذا وصلت طالبان إلى هنا (1-5)؟!

لماذا وصلت طالبان إلى هنا (1-5)؟!
لماذا وصلت طالبان إلى هنا (1-5)؟!
ثمة جدل لم يُحسم بعد، وربما يستغرق وقتاً طويلاً وراء الأسباب التي أوصلت حركة طالبان الأفغانية إلى ما وصلت إليه، ففرضت نفسها على الساحة العسكرية والسياسية والدولية والتفاوضية، حتى أقر الرئيس الأميركي دونالد ترمب بسحب قواته من أراضيها بعد 18 عاماً، والتي تعد أطول حروب أميركا حتى الآن، وظلت الحركة تتمدد شعبياً، وكسبت بذلك حاضنة اجتماعية تتزايد باستمرار، وفي موازاة ذلك حيّدت الأقليات ضدها فلم تقدم نفسها على أنها تمثل الأغلبية البشتونية، وإن كان في واقع الأمر وحقيقته هو كذلك، ولعل في سلسلة حلقات قادمة نبحث في الأسباب الذاتية والداخلية الأفغانية، بالإضافة إلى السند والظهير الباكستاني ودوره في هذه العودة، فضلاً عن الأخطاء الدولية والعالمية التي ساعدت الحركة على العودة من الباب الأفغاني الأوسع.

دفعت حركة طالبان الأفغانية ثمناً لفعل لم تقم به، وإنما دفعته ثمناً لفعل قام به تنظيم القاعدة حين نفذ غزوتي نيويورك وواشنطن، فكان أن رفض زعيم الحركة الملا محمد عمر يومها تسليم زعيم القاعدة أسامة بن لادن لمحاكمته من قبل الأميركيين، وربما لو كان أي أفغاني مكان الملا محمد عمر يومها، لعجز أن يفعل ما طُلب منه بسبب «قانون بشتون والي» الذي ينظم النسيج الاجتماعي الأفغاني لقرون، فاستطاعت واشنطن على السريع حشد حوالي أربعين دولة من أجل شنّ حرب على الحركة وإسقاطها، كونها الحركة التي تحتضن جماعة «إرهابية» أعلنت الحرب على أميركا، وبدأت الحرب لتسقط الحركة في غضون شهر تقريباً، ويتم تشتيتها وفرحت واشنطن والتحالف الدولي بالإنجاز الذي فعلاه، لكن لم تدرك أميركا ولا التحالف الدولي يومها أن الانتصار هذا كان يحمل بذور إخفاقه وفشله منذ اليوم الأول بسبب اعتماده على تحالف أقلوي شمالي وفرضه على أغلبية أفغانية بشتونية تشكل أكثر من 60% من الشعب الأفغاني، فضلاً عن نكثه بالوعود التي أعطتها واشنطن للرئيس الباكستاني يومها برفيز مشرف، بعدم السماح للتحالف الشمالي بدخول كابل.

استفز منظر دخول قوات التحالف الشمالي الأقلوي من طاجيل وأوزبك وهزارة الأغلبية البشتونية، ومعها السند والظهير الباكستاني الذي يرى في حركة طالبان عمقاً استراتيجياً بمواجهة الخصم الهندي، وبموازاة الغضب والحنق الباكستاني الحكومي كان الغضب البشتوني الباكستاني الشعبي يزداد غلياناً، وهو الذي يشكل عدد سكان أكثر من أفغانستان، فضلاً عن الشريحة الإسلامية والوطنية الباكستانية التي رأت في التخلي الأميركي المبكر عن الدعم الباكستاني غير المحدود في عملية إجلاء حركة طالبان خذلاناً لها ولمصالحها الوطنية القومية، وتغليب مصالح منطقوية مجاورة لأفغانستان على حساب المصلحة الباكستانية، إن كانت إيرانية أو هندية، وهو ما يحاصر باكستان من عدة جهات، فضلاً عن محاصرتها باستخدام أدوات لها امتداداتها في الدول المجاورة من بعض الجماعات البلوشية، وغيرها التي لا تخفي مطالبتها بالانفصال عن باكستان.

عبرت باكستان حينها عن الغضب والتبرم من هذا التصرف الأميركي، ولكن نشوة الانتصار المؤقتة لم تكن تسمح لباكستان ولا لأميركا بغير ما حصل، يومها أدركت باكستان أن ما يجري في أفغانستان يجري بغير ما تشتهيه سفنها، وأدركت معها أنها ستدفع أثماناً باهظة إن هي واصلت سياسة التنسيق والتعاون الأمني والعسكري مع الأميركيين وغيرهم، ليصب ماء ذلك كله في طاحونة أعدائها وخصومها الإقليميين، فحسمت على ما يبدو خياراتها بالتعاون خمسين بالمائة، وإبقاء الخمسين بالمائة الأخرى دعماً لطالبان، لتعود بذلك استراتيجية ضياء الحق في قتال السوفييت يوم نصح مدير مخابراته العسكرية الجنرال أختر عبد الرحمن بقوله: «حاول أن تبقي الماء ساخناً حتى يغلي بهدوء»، وهو ما طبقته باكستان مع الوجود الأميركي في أفغانستان كما فعلته مع السوفييت، وظلت العمليات العسكرية والتنسيق الباكستاني- الطالباني سرياً ومخفياً يساعده في ذلك معرفة المخابرات الباكستانية بالخريطة الأفغانية، نتيجة خبرتها بالجهاد الأفغاني، ومعرفتها أيضاً بخريطة المخابرات العالمية نتيجة تعاملها وتعاطيها معها على مدى عقود من الجهاد الأفغاني وما بعده، فوظفتها كلها في خدمة التناقض السياسي والعسكري لها بأفغانستان.

في الحلقة المقبلة سنتحدث كيف تعاطت طالبان أفغانستان مع مشكلة طالبان باكستان، وكيف صمتت تماماً على تسليم باكستان لقادتها وزعمائها لأميركا وكابل دون أن تصدر بياناً ضد الحكومة الباكستانية، ساعدها في ذلك التنسيق بين مؤسسة مذهبية دينية حنفية ديوبندية، لها وجودها في أفغانستان، كما لها وجودها في باكستان، وبينهما كثير من الاحترام والقبول المتبادل.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.