الخميس 23 شوال / 27 يونيو 2019
03:06 ص بتوقيت الدوحة

مستقبل إيطاليا (2-2)

هارولد جيمس

الأربعاء، 23 يناير 2019
مستقبل إيطاليا (2-2)
مستقبل إيطاليا (2-2)
إن الثورة السياسية الإيطالية لم تأتِ بمحض الصدفة، ولكن بسبب التطورات الاجتماعية المحددة، والتي يطلق عليها الإيطاليون «سنوات الرصاص» في السبعينيات، إن تلك الفترة وأبعادها على الحاضر هي موضوع رواية إدواردو البيناتي الطويلة والمتعرجة، والتي حققت نجاحاً مذهلاً «المدرسة الكاثوليكية»، والتي سوف تُنشر باللغة الإنجليزية هذا العام.
إن البيناتي يجمع الوصف الدقيق مع التحليل الاجتماعي العميق، وكمعلم سابق في السجون، فإنه يعتمد على مخزون كبير من اللقاءات التي جمعته مع أناس يمثّلون قطاعات عريضة من المجتمع الإيطالي، وفي واقع الأمر فإن روايته تشبه روايات السير الذاتية، لأنها تتركز حول قضية «مجزرة سيريكو» سنة 1975، وهي جريمة اغتصاب وقتل وحشية، والتي ضمّت بعض زملاء الكاتب من أيام المدرسة، والذين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة العليا التي ينتمي إليها الكاتب.
البيناتي يستخدم هذه الحلقة التاريخية الصادمة من أجل تحليل تفكك البرجوازية الإيطالية، وانحدار الدور التقليدي للدين، إن قصته تتعلق بأن الرجال وجدوا أنفسهم في المجتمع الحديث بدون فائدة، ففي معظم التاريخ الإنساني كانت القوة الجسدية الأكبر للرجال، وعدائيتهم وشجاعتهم في القتال تترجم إلى هيمنة اجتماعية وسياسية لا يمكن التصدي لها، ولكن في العالم الحديث لسياسات المكاتب والمناصب، فإن أولئك الذين يتمتعون بالإبداع والقدرة على التعامل مع العلاقات الاجتماعية المعقّدة هم الذين سيفوزون.
إن التحول الاجتماعي العميق جعل الرجال يشعرون أنهم يتعرضون للهجوم طيلة الوقت، بالإضافة إلى محاولتهم اليائسة لإظهار رجولتهم، إن هؤلاء الرجال والذين ترعرعوا على المزايا الاجتماعية لحقبة ما بعد الحرب، وجدوا فجأة أنه لم تعُد لهم فائدة، حيث شبّه البيناتي الجنس الذكوري بذيل السحلية، الذي يتحرك لبعض الوقت بعد أن يتم قطعه، لقد كانت ردة الفعل للعديد من هؤلاء الرجال عنيفة وغاضبة إلى حدٍ كبير، وسعى البعض إلى الانضمام للحركات الفاشية الجديدة، وذلك من أجل تفريغ الذكورية العدائية، بينما انضم آخرون إلى أحزاب أقصى اليسار، والتي تضم كذلك مجموعات تتبنى العنف. إن المال في العالم الذي يصفه البيناتي يحتل أهمية اجتماعية، إن تمتع مجموعة أكبر من الناس بحريات جديدة، يوحي بأن أي شيء ممكن، ولكن فقط لو كان لدى المرء الوسائل لذلك، يعترف البيناتي على مضض أن «جراثيم الماركسية» جعلته يتوصل لهذه النتيجة، ولكن مهما يكن الأمر، فإن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها، هي أن المال يخلق وهم وجود مزيد من الحريات، حيث أصبح وبشكل متزايد يعكس عالمنا اليوم، وعلى الرغم من أن أحداث رواية البيناتي حصلت في إيطاليا، فإن العالم هو موضوعها، حيث تطرح الرواية سؤالاً مفتوحاً عن ما إذا كان من الممكن الهروب من هذا السعي غير المنضبط من أجل المكاسب الشخصية، والتي تعكس المشاكل الاجتماعية والسياسية السائدة اليوم.
لقد كان من المستحيل إنقاذ الإمبراطورية الرومانية بعد سقوطها، ولقد استغرق الأمر حوالي ألف عام، قبل أن تتمكن شبه الجزيرة الإيطالية من إعادة اكتشاف تراثها الكلاسيكي، إن رسالة البيناتي -والتي تستحق أن يتم النظر فيها جدياً- هي أنه من أجل أن يكون لدينا نهضة جديدة اليوم، فإن الأمر سيتطلب إزالة الغموض عن عبادة الحرية وتعزيز معايير المسؤولية المشتركة في السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.