الأحد 16 ذو الحجة / 18 أغسطس 2019
05:41 ص بتوقيت الدوحة

مزايا ومقامات لا تمنع التحقيق

مزايا ومقامات لا تمنع التحقيق
مزايا ومقامات لا تمنع التحقيق
تكاتف السودانيين عند المصائب، وتعاونهم عند الشدائد من المزايا المجتمعية في السودان، وقد ترتبط أحياناً بأحداث كبيرة، مثل الفيضان، فيسارع المواطنون لدرء فيضان القاش في كسلا، أو صد النيل عن جزيرة توتي.
وتورد أجهزة الإعلام المختلفة صوراً للشباب المرابط على الشواطئ، وكيف أن السودانيين يتقاسمون الطعام والشراب والسهر.. وقصصاً عن شباب أنقذوا أسراً انهارت بيوتهم، ويتداول الجميع أغاني تمجد صمود شباب الحي أو القرية، في وجه النهر الهادر.. لكن ما يجب التنبيه إليه هو أن التركيز على هذه الصور الجميلة يجب ألا يصرف المعنيين عن دراسة أسباب تكرار فيضان القاش في كسلا، على سبيل المثال، وعما إن كان صحيحاً أن تراكم الطمي في مجري النهر جعل تكرار الفيضان المدمر أمراً حتمياً، رغم إمكانية معالجة الحالة بمجهودات فنية بسيطة.. يبدو أن التركيز على قيمة النفير أنسى الجميع ضرورة معالجة أسباب الفيضان، وكأنه أصبح ميزة ينتظرها الناس ليتغنوا بتكافل السودانيين وترابطهم الذي يندر أن يوجد بين شعوب الأرض.
حالة أخرى شبيهة ينصرف فيها الناس عن مشكلة حقيقية، ويركزون على فرعية متصلة بالمشكلة؛ أعني السقوط المتكرر للطائرات التي لو أوردنا من الذاكرة فقط حوادثها لهالنا العدد الكبير للطائرات التي تهاوت، ولو أحصينا المشاهير من أهل السياسة ممن سقطت طائراتهم لانتابنا قلق كبير وحزن لا يوصف على طريقة معالجة هذا الأمر الخطير.. هذا الموضوع ينصرف عنه المسؤولون بالحديث عن مرتبة الشهادة التي نالها ضحايا حوادث الطيران والمرور، وهكذا تتكرر الحوادث، وتطوي بعد زمن قصير حوادث مؤسفة منذ سقوط طائرة الشهيد كمال مختار، حتى سقوط طائرة الأمين السياسي السابق، مروراً بحوادث كثيرة راح ضحيتها نفر عزيز من أبناء الوطن، منهم الشهيد الزيير في طائرة الناصر، وطائرة الشهيد إبراهيم شمس الدين، ورفاق السلاح من قادة الجيش السوداني، والشهيد مكي بلايل وإخوانه في طائرة تلودي، وزملاء المتعافي في رحلة وزارة الزراعة. وفقد سلاح الجو السوداني الكثيرين من طياريه في رحلات جوية داخلية لا علاقة لها بالحرب. فهل تكون الشهادة ذريعة تمنع التحقيق؟ وهل تكون الشهادة عذراً يحول دون تحسين مستوى الأداء في مجال الطيران؟
المثال الثالث هو مؤتمرات الصلح القبلي التي كادت أن تصبح غاية في حد ذاتها، حيث يتبارى الخطباء في مدح زعماء القبائل والإشادة بحكمتهم، ثم الحديث عن سماحة الشعب السوداني الذي تسيل دماؤه، ثم يذكر القربى فتسيل دموعه، وكيف أن السودانيين يتسامون عن الصغائر، ويضعون حداً نهائياً للحرب بين الإخوة، وهو حديث يكذبه اندلاع الحرب فور انتهاء مؤتمر الصلح بوتيرة تؤكد ألا حكمة عند الزعماء، وتشكك في دعاوى التسامح.
على سبيل المثال، قامت جماعة ترتدي زي قوة نظامية بحلق رؤوس الشباب بدعوى محاربة الظواهر السالبة، وراج أن الجماعة تنتمي لقوات الدعم السريع، لكن السلطة الرسمية اكتفت بنفي أية صلة لهذه الجماعة بقوات الدعم، وكأن نفي الصلة يعفي السلطة من تحديد الجهة المتطاولة ومحاسبتها.
وهكذا كان الحال مع قتلة متظاهري سبتمبر قبل عدة أعوام، وما زال حادث الاعتداء على رئيس تحرير جريدة «التيار» مقيداً ضد مجهول.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.