الجمعة 20 شعبان / 26 أبريل 2019
01:36 م بتوقيت الدوحة

ومضى خالد بكداش..

ومضى خالد بكداش..
ومضى خالد بكداش..
رحل خالد بكداش -أحد رموز الحركة الإسلامية في السودان- ومضى في سبيل الأولين والآخرين، بعد أن ترك سيرة طيبة في طهر النفس، وعفة اللسان، ونظافة اليد.. كان بكداش شخصية عامة، فقد كان شاعراً ومادحاً للرسول عليه الصلاة والسلام، وإعلامياً بارزاً وصوفياً متبتلاً؛ لكن، وعلى أهمية هذه المجالات، إلا أن ما يهم في مسيرة بكداش هو خالد السياسي الذي شارك في أحداث كبيرة؛ لكنه اختار في مرحلة أخيرة وطويلة من حياته البعد عن ميدان السياسة، الشيء الذي فهم منه بوضوح عدم الرضا عما آل إليه المشروع الذي حلم به وعمل من أجله. فهل يعتبر الانزواء الذي فضله خالد بكداش وآخرون كثر في الحركة الإسلامية هو الموقف الصحيح؟
كانت الدولة فكرة عندما كانوا ينتظمون في أسر لا تكلف إدارتها غير جمع جنيهات قليلة من الأعضاء لتحضير أكواب الشاي، وعندما كانت أهم مشروعات الإسلاميين هي حملات العطلات الصيفية، حيث ينظمون فصول التقوية، وحملات التطعيم، والعيادات المجانية، وكانت أعلى طموحاتهم إدارة اتحاد الطلاب في جامعة.. ولم يحسوا بحاجة غير الوازع الديني يدفعهم لتنفيذ تلك البرامج البسيطة، وعزز عندهم هذه الفكرة تجردهم في إدارة مال شاي الأسر، وإخلاصهم في تقديم دروس التقوية، ومعالجة المرضى في الأرياف البعيدة.. ولما جاءت الدولة عبر انقلاب نُفّذ بيسر أدهش حتى منفذيه، وجد الإسلاميون كل موارد الدولة بين أيديهم، فأداروها بالطريقة ذاتها التي أداروا بها الأسر، أو اتحاد الطلاب، أو الجمعيات الخيرية، وظنوا ألا أهمية ولا ضرورة أن يطالب الأتقياء الأنقياء من أعضاء الحركة الإسلامية بتقديم تقرير مالي أو إيصالات.. وهكذا أداروا دولة تصدر البترول، وتدير كل الاستثمارات، فكان حتمياً أن تقع الدولة في الفخاخ التي نفرت بكداش وإخوانه.. فهل كانت تكفي عزلتهم وانزواؤهم؟
كان بكداش مؤهلاً لتقديم رؤية تشخّص الحالة، بألا يوضع المشروع تحت رحمة المسلك الشخصي للمسؤول، فيسلم المشروع بالنزاهة الشخصية للمسؤول، ويضيع ويفسد بأي انحراف لا تكبحه ضوابط ولا مراقبة ولا محاسبة، وما أكثر مغريات الانحرافّ!
لقد أكدت التجربة أن تنظيم الإسلاميين يجب أن يخضع -كغيره من التنظيمات التي لا تحمل صفة الإسلام- للمراقبة والمراجعة والمحاسبة، وبغير ذلك فهو تنظيم معرض لأن يفسد، بل لقد كان بكداش وأمثاله مؤهلين -بعد متاهة المشروع- لأن يقدموا مراجعة فكرية تكشف خللاً في فكرة الدولة الإسلامية التي خلط واضعوها بين النبوة التي اختص صاحبها بالعصمة، والخلافة التي لا عصمة لها. ولو تمت مراجعة فكرية أمينة لتكشف للإسلاميين أن آثار التوجه الأحادي واحدة، وأن ما ظلوا يشكونه من ظلم لحق بهم وهو يواجهون الأنظمة الأحادية في مصر والسودان، يمكن أن يُلحِقوه هم بالآخرين إذا تولوا الحكم بالنهج ذاته.
رحم الله خالد بكداش..
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.