الإثنين 14 صفر / 14 أكتوبر 2019
06:09 ص بتوقيت الدوحة

العاقل من اهتم بباطن الثورة وليس بظاهرها فقط

العاقل من اهتم بباطن الثورة وليس بظاهرها فقط
العاقل من اهتم بباطن الثورة وليس بظاهرها فقط
أكثر ما يُميز ثورات القرن الماضي ضد الاحتلالات الأجنبية آنئذ عن ثورات الربيع العربي اليوم، هو غياب العائلات والعشائر الكبيرة عن قيادتها، وتسلم قياداتها شباب خبرتهم بالحياة ضحلة، وهذا بالتأكيد لا يتحمل مسؤوليته الطرفان، ولكن ما نود هنا توصيف حالة، لعلنا نخرج بنتيجة تُصلح الحال وتقلل الخسائر والمعاناة، كما تُقلص الفجوة إلى النصر بإذن الله، فلا شك أن حوليات الثورات العربية ضد الاحتلال الأجنبي مطلع القرن الماضي لم تكن الأحزاب حينها قد تجذرت ولا الفصائل والجماعات أيضاً، وكان الناس مجتمعين على أسماء العشائر الكبيرة والأسماء التاريخية، لذا كان الانقياد الشعبي أقرب ما يكون إلى الانقياد الاجتماعي المتوارث وليس إلى الانقياد الفكري أو الأيديولوجي والسياسي.
فشلت تلك القيادات يومها، للأسف، في قطف ثمار ثورات زرعوا بذورها وسقوا شجيراتها بدمائهم حتى استوت على سوقها، فجاء الحاصدون فقطفوا ثمرها يوم غاب زُراعها الذين لم يهتموا بالزارع نفسه بقدر اهتمامهم بالشجرة التي سعوا إلى سقيها بالدماء إلى أن جفت دماء الأحرار، فانبرى المتسلقون لملء فراغ، فكيف حصل هذا؟!، وهل يمكن أن يتكرر هذا مع ثورة الشام وغيرها اليوم؟ كل الدلائل للأسف تشير إلى أن ذلك قد يتكرر إن سارت الأمور على الشاكلة نفسها، وركز الزارعون على سقي الشجرة بدمائهم، دون الاهتمام بورثة الزارع نفسه، وعلى رأس هذا الاهتمام هو تكوين كتلة حرجة حقيقية من الثوار، بحيث تمنع من تُسول له نفسه قطف الثمرة كما حصل يوم ثورة الشام الأولى ضد فرنسا، يومها سعت الأخيرة إلى تشكيل ميليشيات جيش المشرق من الطائفيين، وحين بدأ التفاوض كانت هذه الميليشيات هي نواة الجيش القادم الذي فرض شروطه، بينما الثوار في درعا والغوطة وسهول إدلب وحلب وغيرها مغرقون بمحلياتهم ومشغولون بخلافاتهم، كما هو الحال اليوم، فليس المهم أن ترفع شعاراً بحجة وضوح الراية بينما على أرض الواقع تعمل عكس تحقيقه، فالعمل ليس بالشعارات والأقوال والدعايات التي تجلب الأعداء وتفتح العيون، بينما العاقل من استعان على قضاء حوائجه بالكتمان، وكان نبينا عليه الصلاة والسلام قلما غزا غزوة إلَّا ورَّى بغيرها، لا سيما في هذا العصر المتكالب على الأمة والمتآمر على نهضتها وتخلصها من براثن استبداد دام قرناً أو أكثر من الزمن.
يحكي لنا التاريخ أن معظم التيارات والجماعات التي رفعت شعاراً واضحاً وضوح الشمس فشلت في تحقيقه، نظراً لمنحها الفرصة سانحة لأعدائها للوقوف ضدها، مما يحول حتى على أصدقائها أو المحايدين أن يقفوا معها أو على الحياد بسبب كثرة الأعداء الذين بالتأكيد ستربطهم علاقات تأثير على الأصدقاء والمحايدين.
أدرك هذا الطائفيون في سوريا، فلجأت اللجنة السداسية الطائفية بقيادة حافظ أسد التي شكلت نواتها في سيناء يوم أبعدها جمال عبد الناصر، حين كان يقود دولة الوحدة 1958/ 1961، فكان التآمر، وبدأت بالتركيز على الجيش والاستخبارات، وأبعدت نفسها عن الواجهة وتحمل المسؤوليات الحياتية اليومية، وحين نفذ حافظ أسد انقلابه دفع السني أحمد الخطيب لتنظيف سياسات من سبقه وتحميله المسؤولية، وما أن أعلن انقلابه الحقيقي الذي سماه زوراً وبهتاناً بالحركة التصحيحية لم يكن للخطيب ولسابقيه حتى ميزة الدعاء على المنابر كما كان للخليفة العباسي، بعد أن نزع الطائفيون بقيادة حافظ أسد كل صلاحيات رفاقهم في الحزب.
اليوم تتقاتل المجموعات والفصائل على الأسماء والألقاب والواجهات، فذاك يريد أميراً وآخر نائباً للأمير، وجهلوا أن الحكم الحقيقي إنما يكمن في الجوهر، وأن الحكم الشكلي في هذه الظروف عليه من التبعات والمسؤوليات والاتهامات أكثر مما له، وأن القيادة اليوم تحديداً غُرم وليس غُنما، وأن عاقل اليوم من يبتعد عن الاتهامات ويعد العدة العسكرية والأمنية الحقيقية بعيداً عن الإعلام والضوضاء والاتهامات، بالتالي يكسب الحاضنة الاجتماعية بزهده بالدنيا، فضلاً عن كسبها لآخرته. هل هناك من يفقه من قادات الشام ذلك، ويعد عدته لحصد دماء شهداء الشام، بدلاً من أن يضيعها ويبددها؟ فمن استعجل الشيء قبل أوانه عُوقب بحرمانه.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.